
تقديم
ليس من باب الصدفة أن يعرف الأدب الأمازيغي اليوم دينامية خاصة. ولم يقتصر الأمر على الإبداع، بل امتد إلى البحث والدراسة والنقد والفكر الأدبي، ففي العقود الأخيرة نجد المؤلفات الأدبية تصدر باستمرار، والبحوث والرسائل الجامعية حول الأدب الأمازيغي على مستوى الماستر والدكتوراه يتكاثر عددها، وبعضها نشرها أصحابها في شكل كتب مؤلفة، فضلا عن العديد من المؤتمرات والندوات والأيام الدراسية التي تقام لهذا الأدب، دون أن ننسى انطلاق تجربة المجلات المتخصصة في الأدب الأمازيغي وقضاياه. إن هذه الدينامية ما كانت لتكون لولا توفر عدة شروط، من بينها:
– تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وكان ذلك بظهير شريف صادر عن الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001، بهدف النهوض بالثقافة الأمازيغية والحفاظ عليها في مختلف جوانبها، بما في ذلك التعليم والإعلام والفضاء الاجتماعي والثقافي، وهو قرار أبعد وأعمق من كونه مجرد إعلان إحداث هيئة أكاديمية. إنه اعتراف بشكل قانوني صريح من أعلى سلطة في البلد بالأمازيغية باعتبارها مكونا أساسيا للهوية الوطنية، والإقرار بحقوقها بعد الحيف الذي لحقها لعقود.
– دمج الأمازيغية في التعليم العمومي، إذ تم الشروع في تدريس الأمازيغية في جزء من التعليم الابتدائي منذ الموسم الدراسي 2003/2004، وكانت البداية بـ 347 مدرسة. وفي التعليم العالي تم تأسيس عدة مسالك على مستوى الإجازة والماستر متخصصة في الدراسات الأمازيغية بعدة جامعات، وكانت البداية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأگادير التي تأسس بها أول ماستر للغة الأمازيغية وآدابها في الموسم الجامعي 2006/2007، وفي الموسم الموالي له تم افتتاح مسلك للدراسات الأمازيغية بالكلية نفسها.
– تنظيم مسابقات للإبداع الأدبي الأمازيغي في مختلف أجناس الكتابة الأدبية، تقدم فيها الجوائز للفائزين ويتم فيها الاحتفاء بالأدب والأدباء (مسابقة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مسابقة القناة التلفزية المغربية الثانية 2M، مسابقة رابطة تيرّا للكتاب بالأمازيغية، مسابقة وزارة الثقافة في إطار جائزة المغرب الكتاب التي أضافت جائزة خاصة بالإبداع الأدبي الأمازيغي بدءاً من دورة 2018 …).
– تأسيس عدة جمعيات ثقافية تجمع الكتاب والأدباء بهدف الرفع من مستوى الوعي بأهمية الأدب، وتوحيد الجهود وتشجيع الإبداع والمبدعين، وفي طليعة هذه الجمعيات رابطة تيرّا للكتاب بالأمازيغية، التي تأسست في يوليوز 2009 بأگادير، بهدف ممارسة الكتابة بالأمازيغية وتشجيعها، وهي بمثابة تجمع أو اتحاد جهوي للكتاب بالأمازيغية، لأن من شروط الانخراط فيها الكتابة بالأمازيغية أو حولها.
في ظل هذه الظروف الجديدة بدأ الأدب الأمازيغي يتطور ويزدهر ويفرض نفسه في المشهد الثقافي والأدبي المغربي، إذ لا يمكن الآن الحديث عن الأدب المغربي بدون المكون الأمازيغي، على عكس الفترات السابقة التي تم فيها اختزال مفهوم الأدب المغربي في بُعدٍ واحد وتم إقصاء المكون الأمازيغي وإبعاده. وكان مجرد طرح سؤال الأمازيغية يُواجه بالاتهامات وبالعقاب. فقبل الخطاب الملكي ليوم 20 غشت 1994، الذي أكد فيه العاهل المغربي المغفور له الحسن الثاني على الدور الذي لعبه الأمازيغ في الدفاع عن وطنهم ضد الاستعمار، كان أي حديث عن الأمازيغية يتم ربطه بما يعرف بـ “الظهير البربري” وبالعمالة وبتفكيك الوحدة الوطنية، لذلك شكل ذلك الخطاب، الذي كان تتويجا للديناميات التي أعقبت ميثاق أگادير حول اللغة والثقافة الامازيغية في غشت 1991، بداية القطيعة مع التعامل الأيديولوجي السابق.
ولهذا فالبدايات التأسيسية للأدب الأمازيغي، على مستوى الإبداع والنقد والدراسة الأدبية، كانت فردية تحركها الغيرة ويسكنها هاجس إثبات الذات في ظروف صعبة وداخل وسط ثقافي يعادي كل ما هو أمازيغي، وهذا ما يجعل الكتابات الأولى، في المقام الأول، كتابات نضالية تُعلي من شأن التثقيف والتوعية.
إن الإشارة إلى البدايات والظروف التي أحاطت بها ضروري للإقرار بأهمية التحولات التي عرفها الأدب المغربي، وهي أشبه ما تكون بثورة أدبية وثقافية، بالرغم من أن بعض الكتاب والمثقفين عندنا لم يستسيغوا بعد هذا التغيير، ومنهم من لا يُخفي رفضه أو تحفظه كلما سمع بتعبير الأدب الأمازيغي، معتبرا إياه خارج المعايير الأدبية، بل منهم من يربطه بالتعصب. ولا يتسع الحديث لتناول هذه الأقوال، وكشف منطلقاتها وبواعثها وتناقضاتها، لكن ما يمكن الإشارة إليه هو أن هؤلاء أنفسهم لا يعترضون أبدا على ربط الأدب باللغة التي يكتب بها وبالبلد الذي يصدر عنه، إلا حينما يتعلق الأمر بالأدب الأمازيغي، ولسان حالهم يقول: حلال علينا وحرام عليكم.
إن العمل الذي بين أيدينا والذي نحن بصدد تقديمه للمهتمين والقراء؛ عبارة عن مؤلف جماعي يتضمن عدة دراسات حول الأدب الأمازيغي، وهي في الأصل عروض ساهم بها أصحابها في ندوات وأنشطة أدبية نظمها مركز تافسوت للأبحاث والدراسات والتكوين، وهذا العمل في حد ذاته يكتسب أهمية بالغة، لأنه يبين كيف يمكن للجمعيات الثقافية أن تسهم في النهوض بالأدب الأمازيغي وتطويره، ليس من باب تنظيم الملتقيات والمؤتمرات الأدبية فحسب، ولكن، وهذا أهم، بالعمل على جمع نصوص العروض الملقاة شفويا وتنقيحها وتجوديها بالتنسيق مع أصحابها من أجل إعدادها للنشر، لتكون مرجعا متاحا للباحثين في الأدب الأمازيغي والمهتمين به.
والدراسات التي يتضمنها الكتاب، وبالرغم من أنها تبدو مختلفة من حيث لغة الكتابة (العربية والفرنسية والأمازيغية) ومن حيث الأجناس الأدبية المتناولة (الشعر، الرواية، النقد الأدبي)، ومن حيث الأسئلة التي تحركها (أسئلة النشأة والمنهج والهوية)، إلا أنها تلتقي كلها حول الأدب الأمازيغي وقضاياه الإبداعية والنقدية والتاريخية والجمالية.
تناول الحسن زهور في مقاله “الكتابة بالأمازيغية والوعي بالذات الثقافية: الكتابات الأمازيغية القديمة” قضية الهوية والوعي بالذات الثقافية عند الأمازيغ، محاولا تتبع ذلك من خلال الكثير من الأشكال عبر التاريخ، معتبرا أن الوعي بالذات الثقافية الأمازيغية للمغرب تجسد، إما بوعي أو بدونه، في العديد من الأشكال، منها ما هو سياسي، كما تجلى في بعض الإمارات والدول التي تأسست في المغرب خاصة إمارة غمارة ودولة برغواطة. ومنها ما هو ثقافي علمي وتجلى، ولو بشكل مضمر، في الكتابات التي ألفها الأمازيغ أنفسهم. ولعل الفكرة الأساس التي يدافع عنها صاحب المقال هي تجذر الوعي بالذات والهوية عند الأمازيغ، وأن ما اعتُبر نشأة للوعي بالهوية الأمازيغية في السنوات الستين من القرن الماضي ما هو إلا انبعاث وامتداد تاريخي وثقافي للوعي بالذات الثقافية الأمازيغية عبر التاريخ.
وتناول محمد اوسوس في مقاله ” الرواية بالأمازيغية: سياق النشأة والمفهوم والحصيلة والتيمات” عدة قضايا تخص الرواية الأمازيغية، وفي مقدمتها المفهوم والنشأة، مؤكدا أن مسألة تأصيل الرواية والكتابة السردية الجديدة عموما في الأدب الأمازيغي لم تشغل بال الباحثين والنقاد. وبعد استعراض الكاتب لحصيلة الكتابة الروائية خاصة بالجنوب المغربي، حاول استخلاص بعض ملامح المشهد الروائي الأمازيغي على مستوى التيمات والتقنيات، موكدا على عمق التحولات التي عرفتها الكتابة الروائية الأمازيغية على جميع المستويات بالرغم من محدودية إنتاجها الكمي.
وتوقف رشيد اوبجا في مساهمته عند البعد الهوياتي في الشعر الأمازيغي الحديث من خلال تجربة الشاعر علي صدقي أزايكو، متخذا من ديوانه ‘إزمولن’ نموذجا تطبيقيا للدراسة. وبعد عرضه لبعض الظروف والعوامل الذاتية والموضوعية التي ساهمت في تشكيل التجربة الشعرية لأزايكو، تناول مستويات بناء تيمة الهوية في الديوان مستدلا بالعديدة من النصوص الشعرية من تجربة الشاعر.
وفي مقاله المعنون بـ “النقد الأدبي الأمازيغي وسُؤالُ المنهَج: بونفور أنموذجا”، تناول محند كديرة بعض كتابات عبد الله بونفور التي درس فيها بعض المتون الشفوية الأمازيغية، محاولا استخلاص بعض عناصر الإطار النظري والمنهجي التي استند إليها.
وبدوره خصص محمد تايشينت مقالته للنقد الأدبي الأمازيغي، مشخصا وضعيته داخل حقل الأدب الأمازيغي، ومستعرضا لبعض إشكالاته، ومقترحا عدة مداخل يراها قد تسعف في تشييد نقد أدبي متصل بالممارسة الإبداعية الأمازيغية، وبخصوصيات الثقافة الأمازيغية على مستوى المفاهيم والأساليب والرؤى والتصورات.
أما مساهمة محمد أكوناض باللغة الأمازيغية فخصصها للشعر الأمازيغي بين الشفهي والكتابي، وحاول من خلالها تقسيم كُتاب الشعر الأمازيغي إلى طبقتين، الأولى تشربت عناصر الشعرية الشفوية ولم تستطع تجاوز أفقها من جميع الجوانب، وأعطى عدة نماذج لهؤلاء منهم محمد مستاوي وعبد الله حفيضي، وإبراهيم اوبلا، وعبد الله أبردزو، وإبراهيم أيت شرغين، والحسين هواسي. والطبقة الثانية سعى أصحابها للخروج من سياج الشعر الشفوي التقليدي على عدة مستويات أهمها المعجم والصور الشعرية، واستعرض أسماء عدة شعراء وفي مقدمتهم علي صدقي أزايكو. ونبه أكوناض إلى أن بعض التجارب الشعرية يصعب تصنيفها أو حشرها ضمن أحد الطبقتين أو الفريقين (تجربة عياد ألحيان والطيب أمكرود).
عنوان مساهمة فاضمة فاراس مستلهم من رواية محمد شاشا ‘اكسر التابو كي تشرق الشمس’، وتتناول الجسد والجنس في الرواية النسائية بأمازيغية تاشلحيت، ذلك أنه منذ رواية “تاونزا” لفاطمة بهلول، النص الروائي النسائي الأول المنشور بأمازيغية تاشلحيت، كانت الكتابة الروائية أداة ووسيلة لتعبير الكاتبات عن رؤيتهن للعالم. وقد سعت الكاتبة إلى تحليل رؤية الروائيات للجسد والجنس باعتباره من الثالوث المحرم في المجتمع اعتمادا على نماذج نصية لعدة روائيات (فاطمة بهلول، جميلة إريزي، عزيزة نفيع، ملعيد العدناني، خديجة الگوجضى).
الدراسة الأخيرة لعبد الصمد بابا علي تتناول إشكالية الهوية عند الكاتب محمد خير الدين. وبعد أن أعطى الكاتب لمحات من حياة محمد خير الدين، حاول تتبع تجليات الهوية في كتاباته بشكل تسلسلي دياكروني. ورغم تطور تمثلات الهوية وتجلياتها، إلا أن الثابت هو ارتباط محمد خير الدين بهويته وثقافته المحلية، ويشكل هذا النقطة المشتركة التي تفصح عنها كتاباته.
أهنئ كل الذين ساهموا في هذا الكتاب والذين سعوا بإصرار لكي يخرج إلى النور، وأرجو أن يجد طريقه إلى الباحثين والطلبة وكل المهتمين بالأدب الأمازيغي.
محمد أفقير
كلية الآداب والعلوم الإنسانية،
جامعة ابن زهر- أگادير
لتحميل الكتاب اضغط على العنوان التالي La littérature amazighe Thématiques et questions critiques


